الحرب مع إيران بلا حدود… والمنطقة هي الضحية الأولى
  • 05 February 2026 - 14:19

    الحرب مع إيران بلا حدود… والمنطقة هي الضحية الأولى

    في لحظة تتصاعد فيها لغة التهديد، تبدو المنطقة أقرب إلى انفجار واسع، حيث لا تُقاس كلفة أي حرب محتملة مع إيران بحدودها الجغرافية، بل بقدرتها على إشعال ساحات متعددة تمتد من القواعد العسكرية إلى عمق العواصم الإقليمية.
    رمز الخبر : 9189

    أفادت وکالة آنا الإخباریة، اليوم، لا يقف الشرق الأوسط على أعتاب سلام مستدام، بل على حافة قرارات حادة قد تتجاوز تداعياتها حدود دولة واحدة. فبينما يُبرز الخطاب الدبلوماسي باعتباره الواجهة الظاهرة للمشهد، لا تزال ظلال التهديد العسكري ثقيلة فوق المنطقة، مهدِّدةً على نحو خاص الدول التي تستضيف المصالح والقواعد الأميركية، وتضعها في مواجهة كلفة غير محسوبة.

    الواقع أن معادلة الأمن الإقليمي لم تعد أحادية الاتجاه. لقد انتهى زمن الحصانة المطلقة للقواعد والمصالح العابرة للأقاليم، وأي دولة تحوّل أراضيها إلى منصة لتمركز قوات أجنبية تدخل، شاءت أم أبت، في معادلة المواجهة. فالأمر لا يقتصر على عقد دفاعي أو تعاون سياسي، بل يعني عملياً التنازل عن جزء من السيادة وقبول تبعات عمليات قد تُنفَّذ من تلك الأراضي ضد أطراف أخرى.

    في هذا السياق، تبدو المخاوف العميقة، وإن غير المعلنة، لدى بعض الدول العربية مفهومة. فهذه الدول تدرك جيداً أن أي مغامرة عسكرية ضد إيران لن تبقى نزاعاً محدوداً، بل ستُطلق سلسلة من ردود الفعل، تكون أولى حلقاتها القواعد والمصالح الأميركية المنتشرة في المنطقة؛ وهي قواعد تقع غالباً بالقرب من المدن والبنى التحتية الحيوية ومفاصل الاقتصاد الوطني.

    القاعدة الأجنبية: من «ميزة أمنية» إلى «هدف مشروع»

    حين تسمح دولة ما للولايات المتحدة أو لأي قوة أجنبية أخرى بإنشاء قاعدة عسكرية على أراضيها، فإنها ترسل عملياً رسالة مفادها أن تلك الأرض يمكن أن تكون نقطة انطلاق لعمليات ضد دولة ثالثة.

    ووفق المنطق الاستراتيجي السائد، تُعد منصة الهجوم جزءاً من ساحة المعركة، ما ينفي إمكانية ادعاء الحياد أو التمتع بحصانة كاملة وقت الأزمات.وقد أعلنت إيران مراراً وبصراحة أنه في حال استهدافها انطلاقاً من أي قاعدة، فإن ردّها لن يقتصر على جغرافيا المهاجم المباشر. فكل قاعدة تشارك في هذا الفعل، حتى لو كانت في دولة مجاورة أو صديقة، تُعد هدفاً مشروعاً في إطار حق الدفاع عن النفس. ولا يُنظر إلى هذا الموقف بوصفه تهديداً عاطفياً، بل عقيدة ردع واضحة تهدف إلى منع الحرب عبر رفع كلفتها.

    وتؤكد التجارب السابقة في المنطقة، بما في ذلك ما شهدته بعض القواعد الأميركية الحساسة في الخليج، هذه الحقيقة عملياً: فالحدود السياسية لا تشكّل بالضرورة حدوداً أمنية زمن النزاعات. ومن هنا، فإن دول المنطقة هي الأكثر عرضة للقلق من سيناريوهات التصعيد التي قد تهدد اقتصاداتها واستقرارها الداخلي ومكانتها الدولية.

    وهم الحرب المحدودة وحقيقة امتداد الأزمة

    من أخطر الأخطاء في الحسابات الاستراتيجية بواشنطن وبعض عواصم المنطقة الاعتقاد بإمكانية خوض «حرب محدودة» ضد إيران؛ وهو افتراض يقوم على فكرة غير واقعية مفادها توجيه الضربة من دون تلقي ردّ. لكن واقع غرب آسيا هو شبكة معقّدة من المصالح والقواعد ومسارات الطاقة، حيث إن أي اهتزاز في نقطة واحدة ينعكس على كامل البنية.

    فإيران، بحكم موقعها الجيوسياسي وعمقها الاستراتيجي وقدراتها الردعية، ليست طرفاً يمكن احتواؤه في سيناريو قصير الأمد ومنخفض الكلفة. وأي عمل عسكري ضدها سيؤثر حتماً في أمن المضائق وخطوط الطاقة والأسواق المالية، فضلاً عن الاستقرار السياسي للدول الحليفة لواشنطن.

    وفي هذا الإطار، تعكس مواقف بعض الدول العربية التي أبدت قلقها من التصعيد قدراً من العقلانية وإدراكاً لحقيقة المشهد. فهي تعلم أن كلفة الحرب لا تُدفع في واشنطن، بل في عواصم المنطقة. ومن هنا، فإن التمسك بالمسار الدبلوماسي لا يعكس تعاطفاً مع إيران بقدر ما يجسّد قراءة واقعية لمصالحها الوطنية.

    أمن مستورد… ولا أمن محلي

    الأمن القائم على الوجود العسكري الأجنبي يتحول، في لحظة الأزمة، إلى مصدر لانعدام الأمن المحلي. فالدول التي حوّلت أراضيها إلى مخازن سلاح ومنصات لعمليات الآخرين لا يمكنها أن تتوقع الخروج من دائرة التداعيات عند اندلاع أي صراع. وهذه ليست رسالة تحذير بقدر ما هي حقيقة أثبتها التاريخ.

    من منظور إيراني، تبقى الخطوط الحمراء واضحة ومعلنة: الرد على أي عدوان لن يكون محدوداً أو رمزياً أو قابلاً للاحتواء، وكل نقطة تشارك في هذا العدوان—سواء كانت قاعدة عسكرية أو مصلحة اقتصادية أو استراتيجية—تدخل في حسابات الدفاع المشروع. ويهدف هذا النهج، بحسب طهران، إلى منع الحرب لا إلى توسيعها.

    وإذا كان ثمة أمل في استقرار دائم للمنطقة، فلا بد أن يقوم على الاحترام المتبادل، ونبذ التهديد، ووضع حد لاستخدام أراضي الدول الأخرى كأدوات لتصفية الحسابات الجيوسياسية. وإلا فإن أي شرارة قد تشعل حريقاً لا يستثني أحداً.

    إرسال تعليق
    captcha