بنك الأهداف الإقليمي… الرسالة الإيرانية التي أربكت الحسابات الأميركية
أفادت وکالة آنا الإخباریة، تشير المعطيات السياسية التي حكمت العلاقات الإيرانية ـ الأميركية خلال السنوات الأخيرة إلى وجود فجوة عميقة بين الخطاب الإعلامي المعلن والأهداف الأمنية الكامنة. فقد سعت واشنطن إلى ترسيخ معادلة مفادها أن تجنب المواجهة العسكرية يمرّ حصراً عبر القبول بشروطها القصوى على طاولة المفاوضات، في محاولة لإضفاء علاقة سببية مباشرة بين المسارين الدبلوماسي والعسكري.
غير أن قراءة دقيقة للسلوك الأميركي، ولا سيما بعد ما يُعرف بـ«الحرب المفروضة الثانية»، تكشف أن قرار اللجوء إلى القوة العسكرية لا يُبنى على نجاح أو تعثر المفاوضات، بل على تقدير مؤسسات الأمن القومي الأميركي لحجم الرد المقابل وكلفة الخسائر البشرية المحتملة.
وبمعنى آخر، فإن الإدارة الأميركية قد لا تتردد في استخدام الخيار العسكري حتى في أوج الانخراط الدبلوماسي، إذا ما اعتقدت أن الكلفة تبقى ضمن حدود يمكن احتواؤها.
على امتداد 47 عاماً، استخدمت الولايات المتحدة، بحسب القراءة الإيرانية، مختلف أدوات الضغط الصلبة والناعمة بهدف إضعاف الإرادة الوطنية، من العقوبات الاقتصادية القاسية إلى محاولات العزل السياسي. وتذهب بعض التحليلات إلى أن الهدف لم يكن مجرد تغيير سلوك، بل مشروعاً أوسع لتفكيك البنية السيادية للدولة.
ومع إدراك واشنطن أن العقوبات وحدها أو الدبلوماسية وحدها لا تكفيان لاحتواء النفوذ الإيراني المتنامي، اتجهت نحو نموذج هجين يجمع بين التصعيد والاحتواء، بحيث تتحول المفاوضات إلى أداة لكسب الوقت واستنزاف الجاهزية الدفاعية.
في مواجهة هذا النمط المركّب من الضغوط، برزت عقيدة “الردع العابر للحدود” بوصفها الركيزة الأهم في تعديل ميزان الحسابات. فالتأكيد المتكرر على أن أي اعتداء لن يبقى محصوراً في الجغرافيا الإيرانية، بل سيقابَل برد إقليمي شامل، يستهدف نقطة الضعف الجوهرية لدى الطرف المقابل، والمتمثلة في حساسيته العالية تجاه الخسائر البشرية.
وتدرك واشنطن، وفق هذا المنظور، أن أي مواجهة محتملة لن تكون محدودة الإطار، وأن مصالحها وقواعدها وقواتها المنتشرة في غرب آسيا تدخل ضمن بنك الأهداف الإيراني. وقد تعزز هذا الإدراك بعد المناورات العسكرية الواسعة التي شهدها شهر بهمن، والتي حملت رسائل واضحة بشأن مستوى الجاهزية والاستعداد.
بناءً على ذلك، لم تعد فرضية “فشل التفاوض يعني حتمية الحرب” قائمة بذات الزخم السابق. فالمعادلة الجديدة، كما يراها مراقبون، تشير إلى أن الانزلاق إلى المواجهة قد لا يفضي إلى مكاسب استراتيجية لواشنطن، بل قد يفتح الباب أمام أزمة أعمق تمسّ وجودها ونفوذها في منطقة غرب آسيا برمتها.