جراحات دماغية متقدمة توفر خياراً علاجياً مساعداً لمرضى الوسواس والاكتئاب المقاومين للعلاج
  • 06 October 2026 - 11:33

    جراحات دماغية متقدمة توفر خياراً علاجياً مساعداً لمرضى الوسواس والاكتئاب المقاومين للعلاج

    جراحی مغز
    دخل علاج الاضطرابات النفسية المقاومة للعلاج، ولا سيما اضطراب الوسواس القهري والاكتئاب الشديد، مرحلة جديدة مع تطور تقنيات جراحة الأعصاب الوظيفية، التي تستهدف تعديل الدوائر العصبية المرتبطة بالأعراض من خلال تدخلات محدودة التوغل، وقد تمثل خياراً علاجياً مساعداً لبعض المرضى.
    رمز الخبر : 10004

    أفادت وکالة آنا الإخباریة، لا يزال بعض المصابين باضطراب الوسواس القهري والاكتئاب الشديد يعانون أعراضاً حادة ومعيقة رغم تلقي العلاجات الدوائية والنفسية المعتادة. وفي مثل هذه الحالات، تبرز أهمية البحث عن خيارات علاجية متقدمة للمرضى الذين لم يستجيبوا بصورة كافية للعلاجات المتاحة. 

    ومن بين هذه الخيارات جراحة الأعصاب الوظيفية (Functional Neurosurgery)، وهي أحد فروع جراحة الأعصاب التي تعتمد تقنيات متخصصة ومحدودة التوغل لاستهداف أجزاء محددة من الدوائر العصبية المرتبطة بوظائف الدماغ. وقد حظيت هذه الأساليب خلال السنوات الأخيرة باهتمام متزايد باعتبارها من الخيارات الممكنة لبعض المرضى الذين يعانون اضطرابات نفسية مقاومة للعلاج.

    وتختلف جراحة الأعصاب الوظيفية عن جراحات الدماغ التقليدية التي تهدف، في الغالب، إلى استئصال الأورام أو تفريغ النزيف أو تخفيف الضغط عن أنسجة الدماغ، إذ تركز أساساً على تغيير نشاط الدوائر العصبية أو تعديله أو تصحيحه. وبالتالي، لا يتمثل الهدف الرئيسي في إزالة آفة بنيوية، وإنما في التدخل في وظيفة الشبكات العصبية التي تؤدي دوراً في ظهور أعراض المرض.

    وتستند هذه المقاربة إلى حقيقة أن العديد من الاضطرابات العصبية والنفسية لا تقتصر على منطقة واحدة محددة من الدماغ، وإنما تنتج عن خلل في دوائر وشبكات عصبية مترابطة. ولذلك، فإن تحديد هذه الدوائر بدقة وتحديد موقع التدخل وطبيعته يمثلان عاملين أساسيين في نجاح العلاج.

    ومن أبرز تقنيات هذا المجال التحفيز العميق للدماغ (Deep Brain Stimulation - DBS)، الذي يتم خلاله وضع أقطاب دقيقة للغاية في مناطق محددة من الدماغ، وإرسال تيارات كهربائية مضبوطة إليها بهدف تعديل نشاط الدوائر العصبية. وأثبتت هذه التقنية فعاليتها في علاج بعض اضطرابات الحركة، ولا سيما مرض باركنسون والرعاش الأساسي، كما تخضع تطبيقاتها في اضطرابات أخرى للدراسة وفقاً لحالة المريض والأدلة العلمية المتاحة.

    وتشمل التطبيقات الأخرى لجراحة الأعصاب الوظيفية بعض الإجراءات الجراحية لعلاج الصرع المقاوم للأدوية، واضطرابات الحركة، والألم المزمن، وبعض الاضطرابات العصبية والنفسية. ويكتسب اختيار المرضى أهمية بالغة في هذه الحالات، إذ يخضع المريض عادة قبل الجراحة لتقييمات سريرية دقيقة وتصوير للدماغ، وقد تشمل التقييمات، بحسب الحالة، فحوصاً للوظائف الكهربائية للدماغ واختبارات معرفية.

    وتعد دقة تحديد المنطقة المستهدفة من العوامل الأساسية في هذا النوع من الجراحات، نظراً إلى وجود تراكيب دماغية صغيرة ومتقاربة، ما يجعل إصابة المناطق المجاورة أمراً قد يؤدي إلى مضاعفات غير مرغوب فيها. ولهذا الغرض، يستعين الجراحون بتقنيات التصوير المتقدمة، والخرائط الوظيفية للدماغ، وأنظمة توجيه العمليات الجراحية، وفي بعض الحالات بتسجيل النشاط العصبي أثناء الجراحة، للمساعدة في تحديد موقع التدخل بأعلى قدر ممكن من الدقة.

    وقال الدكتور همايون أميني، عضو هيئة التدريس في قسم الطب النفسي بمستشفى روزبه، إن تقنيات جراحة الأعصاب الوظيفية الحديثة يمكن أن تساعد، إلى جانب العلاج الدوائي والعلاج النفسي، في تخفيف شدة الأعراض لدى بعض المرضى الذين يعانون اضطرابات نفسية مقاومة للعلاج.

    وأشار إلى التطورات التي شهدها هذا المجال خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أن العقود الثلاثة الماضية شهدت اعتماد تقنيات جديدة في جراحة الأعصاب الوظيفية ساعدت في علاج العديد من الأمراض العصبية، فيما حظيت تطبيقاتها في علاج بعض الاضطرابات النفسية باهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة.

    وأوضح أميني أن مستشفى روزبه شكّل فريقاً متخصصاً لتقييم المرضى المصابين بالوسواس القهري المقاوم للعلاج أو الاكتئاب الشديد المقاوم للعلاج. وقد يكون هؤلاء المرضى من مراجعي المستشفى أو محولين من مراكز علاجية أخرى، حيث يخضعون للتقييم بصورة جماعية ضمن لجنة متخصصة.

    وأضاف أنه إذا رأى أعضاء الفريق أن هناك خيارات علاجية أخرى لا تزال متاحة، مثل العلاجات الدوائية المركبة أو أنواع مختلفة من العلاج النفسي، ويمكن أن تحقق فائدة للمريض، فإنهم يوصون أولاً بتجربتها.

    وتابع عضو هيئة التدريس في قسم الطب النفسي بمستشفى روزبه أنه إذا لم يتحسن المريض بعد تلقي هذه العلاجات، أو خلص الفريق المتخصص إلى أن جميع الخيارات العلاجية المتاحة قد جُرّبت ولم يعد هناك تدخل علاجي آخر يمكن الاستفادة منه، فقد يُقترح اللجوء إلى ما يعرف بـ الجراحة النفسية (Psychosurgery).

    وحول آلية إجراء هذه التدخلات، قال أميني إنه بعد موافقة الفريق المتخصص، يُحال المريض إلى أحد مستشفيات جامعة طهران للعلوم الطبية لإجراء العملية، مشيراً إلى أن مستشفى الإمام الخميني يُعد حالياً أحد المراكز التي تقدم هذه الخدمات، مع توفر إمكانية إجراء هذه التدخلات في مستشفيات جامعية أخرى أيضاً.

    وأكد أميني أن هذا المجال العلاجي الناشئ يمكن أن يساعد مجموعة من المرضى الذين لم يستجيبوا بصورة مناسبة للعلاجات المتاحة، مشدداً في الوقت نفسه على أن الاستجابة للجراحة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مسألة ثنائية، أي أن تكون فعالة تماماً أو عديمة التأثير.

    وأوضح أنه عند الحديث بصورة عامة عن فعالية هذه الأساليب، يمكن القول إن شدة المرض تنخفض بدرجات متفاوتة لدى غالبية المرضى، مشيراً إلى أن نسبة التحسن تختلف بين الدراسات، وتتراوح في بعض التقارير بين نحو 30 و40% وصولاً إلى 50 و60%.

    وأضاف أنه يمكن بصورة تقريبية القول إن هذه الأساليب قد تساعد عدداً ملحوظاً من المرضى على خفض شدة أعراض المرض بنحو النصف، مع التأكيد أن هذه التدخلات لا تعني الاستغناء عن العلاج الدوائي أو العلاج النفسي.

    وشدد على أن الجراحة يمكن أن تُستخدم كخيار تكميلي إلى جانب العلاجات الأخرى، موضحاً أن بعض المرضى الذين كانوا يتلقون أدوية قبل الجراحة دون تحقيق استجابة علاجية مناسبة، قد يستفيدون من الأدوية نفسها بصورة أكبر بعد الخضوع لهذه التدخلات. كما يمكن أن يواصل العلاج النفسي دوره كوسيلة مساعدة ضمن المسار العلاجي لهؤلاء المرضى.

    وفيما يتعلق بالمخاوف المحتملة من مضاعفات جراحات الدماغ، قال أميني إن استخدام التقنيات المتقدمة في هذه الإجراءات يجعل احتمال حدوث المضاعفات منخفضاً جداً، وإن مضاعفات مثل العدوى أو النزيف نادرة الحدوث.

    وأوضح أن الحديث عن جراحة الدماغ قد يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن العملية تتطلب فتح مساحة واسعة من الدماغ أو أنها تنطوي على نزيف كبير واحتمال مرتفع لإلحاق أضرار خطيرة بأنسجة الدماغ، في حين أن الإجراءات المستخدمة في جراحة الأعصاب الوظيفية لا تتضمن عادة مثل هذه التدخلات الواسعة.

    وأشار أميني إلى أن هذه العمليات تتطلب عادة إحداث ثقوب صغيرة في الجمجمة واستخدام أدوات دقيقة ومتخصصة، صُممت لتجنب إصابة المناطق الأخرى من الدماغ وحصر التدخل قدر الإمكان في المنطقة المحددة المستهدفة بالعلاج.

    وأكد في الوقت نفسه أنه لا يمكن القول إن هذه الجراحات خالية تماماً من المخاطر، إلا أن طبيعة التقنيات المستخدمة ومحدودية نطاق التدخل تجعلان احتمال حدوث مضاعفات خطيرة منخفضاً للغاية.

    إرسال تعليق
    captcha